الأحد، 14 يوليو، 2013

(14) - إنتحار - الجزء السابع، والأخير

مشكلة تلك الهلوسات أنك لا تعرف أبدا متى كانت كذلك ومتى لم تكن، أكتشف أن الطاولة الرخامية بالمعبد هي سرير بغرفة عمليات وأن من كانوا يعبثون في دماغي هم في الحقيقة أطباء، عواء الذئاب المتكرر هو لسرينة إسعاف، أو شرطة، أو ربما كان المعبد معبدا وكانت الذئاب ذئابا طوال الوقت، عندما يتعلق الأمر بالهلوسة، فلا حقيقة هنالك!
لفهم القصة يجب قراءة الأجزاء السابقة ،الجزء السادس من هنا
دخلت إلى الجراج الملحق بالمبنى كما دخل هو، تذكرت يوم قبضوا على ذلك التشكيل العصابي الذي كان يسرق السيارات، أقسم الجميع أنهم ظُلموا وأن لا دخل لهم، وأنا هناك من أمرهم بالإنتظار، فهل يقبض عليّ الآن كأحد أفراد تشكيل عصابي آخر؟

كان الجراج في  قبو المبنى، وكان هناك باب ما في نهايته، إتجهت إلى الباب فوجدت سلسلة معدنية مكسورة على الأرض وكان الباب مواربا، لا تنتظر من مجنون أن يخفي آثاره، كان الباب بدوره يؤدي إلى سُلم، لم أهتم بعد الأدوار التي ارتفعتها ولكنني استغرقت ما يقرب من عشرة دقائق، الآن أعلم لمَ تأخر الرجل، وعندما وصلت للنهاية كان باب آخر هنالك، لا يختلف المشهد عن الأسفل ، السلسلة المكسورة والباب الموارب، والسماء من وراءه مليئة بالنجوم، نادرا ما تكثر النجوم بتلك الطريقة، ولكنني لم أجد أحدا على سطح البناية، نظرت إلى الأسفل فكان المشهد مرعبا، يبدو أنني في الطابق الخامس عشر أو ما شابه، السقوط من هنا مميت بالتأكيد.

 عندما كنت في المستشفى كنت أرغب في الإنتحار، وعندما رأيت الطبيب يحاول قتلي أصابني الهلع، كيف يكون الإنسان متناقضا بهذه الطريقة؟ الجميع ناقمون على الحياة، يتحدثون عن الإنتحار طوال الوقت ولكن مع أقل خطر يهددهم يصرخون كفئران مذعورة، هل الإنتحار شجاعة أم هو جبن؟ إذا قفزت الآن فما الفارق؟ ليس من أحد ليفتقدني، سأكون خبرا بـ " فونت " صغير في صفحة داخلية بجريدة صفراء، عن إنتحار هارب من مستشفى المجانين، ربما سيقرأه ثلاثة، أو أربعة، لن يشعروا بشئ، ولن ابقى أنا لأشعر بشئ حينها، سأكون رقما يضاف لأعداد المنتحرين، فأساهم بحياتي في إحصائية ما لا أهمية لها، سأكون قصة ممتعه يحكيها الأطفال الذين حضروها لزملائهم مستمتعين بالرعب الذي تضيفه كلمات كمجنون ومنتحر، سأكون مثالا حيا عن الذين أصابهم اليأس من رحمة الله فهربوا من عذاب الدنيا لعذاب الآخرة، كنت أقرأ في الروايات كثيرا تلك العبارة، " مر شريط حياتي أمام عيني "، مر فعلا، فهل أن محظوظ لأن كل ذلك قد أصابني دون أن أموت؟ أم أن البقاء في هذه الحياة هو سوء حظ؟ لو مات كل المجانين فسيكونون في نعيم حقيقي، هل أحارب لأثبت أنني جدير بالحياة كإنسان؟ أم أموت كإنسان قبل أن أتحول لمسخ يجوب الشوارع ويحيا كالكلاب تقريبا؟ كيف يمكن أن أثبت أي شيئ والجميع يعتقد أنني مجنون؟ كيف أعرف أصلا أن ما أفكر به هو ما أفكر به فعلا وأنه ليس مجرد هلوسة كباقي كل شيئ، هل الإنتحار هو ما أريد فعله، أم إن الإنتحار الحقيقي هو البقاء في مجتمع كهذا بحالي تلك! هل أقفز؟
أين ذلك الأحمق! هل إختبأ في مكان ما في هذا المبنى معتقدا أن هذا المكان بعيد عن العفاريت، لن اكلف نفسي عناء التفكير، ها هي الفرصة سانحة للإبتعاد عنه، وعن كل شيئ.
***
بعد دقائق
***
حاولت التظاهر بأنني طبيعي، أنا مثلكم تماما فمن فضلكم لا تحدقوا بي بتلك الطريقة، أمارس حياتي الطبيعية، أتجول في الشوارع محاولا أن أنشر السعادة التي لم أجدها يوما، أبتسم للجميع وأحييهم بهزات رأس وقورة، ولكن الأمر لا يشبه ما يحدث في الأفلام، في هذه الأيام السوداء عندما تبتسم في وجه أحدهم فإنه يخاف، وبينما أنا منهمك في ذلك العمل الشاق، سمعت ذلك الصوت مجددا، العواء، حاولت أن أقاوم مرة أخرى، توقفت وحاولت التركيز، كان الصوت يتزايد، وفجأة بدأ الناس بالصراخ، جميعهم! إذا رأيت شخصا يقف في منتصف الطريق، مغمضا عينيه، ويبدو عليه الألم، فإنك ستجده غريبا، ولكنك لن تصرخ، لن يصرخ الجميع! لن تزيد أصوات العواء لتكتشف مرة أخرى أنها لسيارات الإسعاف والشرطة، كانت هناك فتاة صغيرة تشير إلى شيء ما بالأعلى، بالمبنى الذي كنت به، نظرت فوجدت شخصا ما يقف بالأعلى، لم أكن أراه جيدا فنظري لم يعد قويا كفاية، دعك انه يقف بالطابق الخامس عشر أو ما شابه، يقف بالخارج ويستند بيده اليمنى على سور ما وبيده اليسرى يمسك شيئا لم أستطع تمييزه، يبدو حذائه الابيض واضحا بعكس السواد الذي يغطيه بشكل عام، لماذا الاحظ تلك التفاصيل؟ هل هي هلوسة أخرى؟ لا تبدو كهلوسة تلك المرة، تذكرت كلمات أبو سيد: " اعرف الفرق كويس بين الحقيقة والي مش حقيقة، ممكن ابقى مسطول واعمل كل حاجة بس ف الآخر ببقى عارف إني مسطول، معدتش حاجة ممكن تخليني اعلى اكتر ما انا عايز. " هذه حقيقة خالصة، هناك من يحاول الإنتحار بالأعلى، في نفس المكان الذي كنت أقف به أفكر في الإنتحار منذ دقائق.

ظهرت سيارة الإسعاف والمطافئ فجأة مع اقتراب صوت العواء أو السرينة أكثر، جاء بعض البلهاء بملاءة عملاقة وكان هناك أحمق ما يصرخ مطالبا إياه بالقفز إلى هذه الملاءة ولن يحدث له شيء، كيف يقف أحدهم في ذلك المكان إذا كان لا يريد أن يحدث له شيء؟ ولماذا يقفز إلى ملاءة بدلا من أن ينزل السلم مثلا، كيف يتحمل ذلك المسكين كل تلك السخافات وهو على وشك الموت، فجأة قفز،  ابتعد هؤلاء المجانين أصحاب الملاءة وكأنه قذيفة نووية مثلا وليس إنسان، أريد أن أرى وجه ذلك الذي كان يطالبه بالقفز، هل هو مرتاح الآن؟ صوت تهشم العظام كان عاليا، لا أعلم إن كان هلوسة أخرى ولكن الصمت الذي حل لبضعة ثواني كان يؤكد أن الجميع قد سمعوه، هرعوا إلى الجثة الملقاة وهرعت أحاول إيجاد مكان لنفسي بينهم، كان نائما في هدوء حقيقي، يسيل الدم من تحت رأسه وتسيل عبارات الحوقلة والبسملة، هناك من يدعون له بالرحمة ومن يدعون عليه بالجحيم لأنه مات كافرا، وماذا يعرفون عنه وعما دعاه لذلك؟ هناك مُسعف شاب يهتف في حماسة : مات، محدش يلمس الجثة وحد يكلم البوليس، كان سعيدا وقد استطعت تمييز ذلك، كانت حياة ذلك البائس بالنسبة له مجرد تجربة عملية، كان يرتدي الحذاء الرياضي والجلباب والمعطف ذاتهم، اللحية الخشنة التي كنت خائفا منها قبل ذلك، التجاعيد والشيب الذين منعهما جسده الرياضي من إخفاء شبابه، لم أستطع منع تلك الدمعة من الفرار مبتعدة عن عيني مشجعةً مثيلاتها على الفرار كذلك، لقد كان هو، إرتاح أخيرا من هلوساته ومن عفاريته ومن حياته البائسة.

هل قتل هو نفسه أم قتله المجتمع؟ هل كانت النتيجة لتبقى كذلك إذا عامله البشر ولو بالقليل من الآدمية؟ هل وقف يفكر مثلما فعلت أنا فيما إذا كان عليه الموت كإنسان أو الحياة ككلب؟ لا أعتقد في النهاية أنه هو المذنب، هو لم يكن يوما إلا ضحية! نظرت إليه نظرة أخيرة وإبتعدت، كفى شؤما فما زال الأمر في بدايته، سأحاول التظاهر بأنني طبيعي، سأحاول نشر السعادة التي لم أجدها يوما، ربما كان هذا هو مصيري وتكون هذه نهايتي، مشرد يغطي الشعر وجهه وتغطي الدماء الأرض من تحته، ولكنني سأحاول في البداية أن أثأر وأنتقم، ربما أستطيع الثأر لصديقي الذي جمعني به القدر، والجنون، وربما تجمعني به يوما ما حادثة كهذه، حادثة انتحار!

***


جريدة مصر بلدنا - 21 ديسمبر 2011

كتب- نائل فؤاد وشيماء علي:

تعرف أهل المدعو " وائل السيد " وشهرته " أبو سيد " على جثته بمشرحة القصر العيني بعد عامين من هروبه، حيث هرب وثلاثة من زملائه من مستشفى الأمراض النفسية والعصبية بالعباسية، جدير بالذكر أنها لم تكن حادثة الهرب الأخيرة بالمستشفى فقد فُقد أحد النزلاء حديثي المجئ ويدعى " يوسف ..... " وقد كان في غيبوبه قبل ذلك إثر قيامه بعملية جراحية في المخ، صرّح مصدر بالمستشفى أن الهاربين الأربعة ولاحقهم مصابين بعدة أمراض أبرزها مرض الذهان ويعانون من هلوسات وصعوبة في الكلام ونوبات صرع متكررة، وأكد مصدر بوزارة الداخلية أن البحث عن الهاربين مستمر وأن منشورا بأوصافهم موجود بكل أقسام الشرطة والمستشفيات بالقاهرة الكبرى والمدن المحيطة.

***
النهاية

شاركوني بآرائكم، ودمتم :D

Share/Bookmark
rss