السبت، 6 يوليو، 2013

(6) - إنتحار - الجزء الأول

كان انتحارا، لا أشك في الأمر، أعني أنه كيف يُقتل أحدهم ويبقى مبتسما بهذه الطريقة؟ هذه ابتسامة قاتل لا مقتول، كانت تعبيرات وجهه كمن فاز لتوه بمليوني جنيه وشقة وسيارة، إذا لم يكن الأمر انتحارا فلا بد من لحظات رعب أخيرة، لا بد من نظرة شاخصة، أن تعلم أنك لن تكون موجودا بعد ثوانٍ لهو أكثر الأهوال هولا، وسيبدو عليك ذلك، إلا لو كنت أنت من اختار.

من فيلم Man on a Ledge

لم أر حادثة انتحار قبلا فهذه كانت الأولى، كنت أمارس حياتي الطبيعية، أتجول في الشوارع محاولا أن أنشر السعادة التي لم أجدها يوما، أبتسم للجميع وأحييهم بهزات رأس وقورة، ولكن الأمر لا يشبه ما يحدث في الأفلام، في هذه الأيام السوداء يا ولدي عندما تبتسم في وجه أحدهم فإنه يخاف، وبينما أنا منهمك في ذلك العمل الشاق انتحر احدهم، والأمر أيضا لا يشبه ما يحدث في الأفلام، لا يوجد شيء حقيقي مما يحدث في الأفلام على الإطلاق، تلك الأفلام اللعينة هي صورة رائعة الجمال لمجتمع شديد القبح، الحياة طبيعية، المارة يسيرون في هدوء وقد علت تلك النظرة التي لا أجد ما يصفها سوى أنها مصرية الطابع جدا وجوههم، حركة المرور عادية، لا يوجد ذلك الهرج والمرج الذي لا يصبح محببا للنفس بالتأكيد إذا كنت أحد تعيسي الحظ الذين شهدوا في حياتهم حادثة كهذه، فلم تصرخ فتاة صغيرة ناظرة للأعلى فتأتي سيارات الشرطة والإسعاف والمطافئ والأمن المركزي ومدرعات الجيش لإنقاذ المُنتحر، لم يأتي بعض البلهاء بملاءة عملاقة يطلبون من المنتحر القفز فوقها حتى لا يموت، بربكم إذا كان لا يريد الموت لماذا سيقف عاليا مهددا بالقفز منهيا حياته؟ ولماذا يقفز على ملاءة بدلا من أن يعود أدراجه وينزل على السُلَّم مثلا؟ ولكن هذا كله لم يحدث وهو أمر رائع فما كنت لأحتمل كل هذا القدر من السخافات، لا أحد على الإطلاق قد يحتمل، ولا أحد على الإطلاق يعلم ما سوف يكون بعد ثلاثة ثوانٍ، ثانيتين، ثانية واحدة، هنالك ذلك الشعور بالريبة والقلق، عندما تكون وحدك ليلا وتشعر فجأة بهدوء غريب فإنك تخاف، تحاول إصدار أي صوت، تنظر حولك لتتأكد أنه ليس من خطر محدق يصدر ذلك الهدوء المرعب، تبدأ بالغناء ولكنك تتوقف عندما يخرج لك أحد سعيدي الحظ الذين يمتكلون بيوتا رأسه من نافذة ضيقة صارخا بعبارات تمتلئ بالشتائم متوعدا بالأهوال لذلك الوغد الذي يقلق نومه، تصمت متظاهرا بأنه لم يكن أنت أصلا، ولكن صمت الرجل يكون صوته أعلى، يدقق النظر ثم يقفل النافذة بحذر، تنظر لليسار فلا تجد شيئا، تنظر لليمين ولا تجد شيئا أيضا، تستدير ببطء وتنظر للخلف.. نفس النتيجة،  تنظر للأعلى .. وقبل أن تتضح معالم أي شيء ارتطم جسدٌ ما بالأرض فأحدث صوت تهشمٍ عنيفا، أو ربما هو  صوت الموت، ولكنني لم اعد أميزه بعد الآن، عندما تعتاد صوتا فإنك لا تشعر حتى بأنك تسمعه! لحظات مرّت قبل أن يستوعب أحدٌ ما قد حدث للتو ثم انطلقت الصرخات مجلجلة من حناجر النساء وهرع الرجال إلى الجثة الملقاة، وهرعت معهم، شعرت أنني خفيف كريشة عصفور، إقتربت منه فلم يمنعني أحد، لم يلحظني أحد، هو نائم في هدوء وقد سال الدم من تحت رأسه وسالت عبارات الحوقلة والبسملة، هناك من يدعون له بالرحمة ومن يدعون عليه بالجحيم لأنه مات كافرا، وماذا يعرفون عنه وعما دعاه لذلك؟ هناك من أطلقوا سيلا من السباب يلومون ذلك الغبي الذي قد أقلق حياتهم بموته.. لماذا لا يموت الناس في هدوء كالماضي؟ ألا يستحق ان يهتم به الناس ولو لدقائق بعد موته؟ يظهر طبيب شاب يبدو عليه القلق والاضطراب ليتفحص الجثة بعناية، كيف أعرف أنه طبيب ؟ لا بد أنه كذلك .. ثم ذلك المعطف في يده .. حسنا قد يكون طالب في كلية الطب وليست هذه بالقضية الكبيرة على أي حال فلدينا مُنتحرٌ ها هنا، يقول الطبيب الشاب متظاهرا بالأهمية كأنه اكتشف لتوه نظرية علمية ما وبأسلوب آمر شديد الجدية : مات، محدش يلمس الجثة واتصلوا بالبوليس ! 

وهنا _ وبالطبع _ يتطوع الجميع للاتصال بالشرطة، تلك الأوقات التي يكون فيها الجوّال مفيدا جدا، ولكن .. لماذا لم يتصل أحد؟ البعض يرحلون، والبعض يتساءلون : حد معاه موبايل؟ هؤلاء الحمقى يبخلون حتى بمكالمة هاتفية واحد؟ ذلك المسكين قد عانى من البخل حيا وميتا، من فضلك لا تحاول إقناعي بأن هناك من لا يملك جهاز واحد على الأقل في هذا الزمان فضلا عمن يحملون العديد منها، وبعد حوالي الخمسة وأربعين دقيقة وصلت سيارة شرطة وسيارة إسعاف، وهكذا انفض كلٌ إلى حاله ولم تبق إلا الأقاويل.

قد يتساءل البعض.. لماذا لم أتصل أنا؟ حسنا .. أنا هو ذلك الشخص الذي لا يمتلك جهاز موبايل واحد على الأقل، أنا شبه مُعدم، في الحقيقة أنا معدم تماماً، أرتدي ذات الملابس منذ أعوام تقريبا، متسخ ككلب أجرب، لابد أنك قد رأيت يوما أحد المتسولين، كان يحاول الاقتراب منك وكنت تبتعد في انفعال، لقد كنت خائفا وكان يحاول الابتسام لكي لا يخيفك ولكن هذا كان يزيدك ذعرا، يحاول التحدث وقبل أن يقول أي شيء تصرخ غاضبا: الله يسهلّك يا حاج، يحاول التوضيح فتزيد أنت وضوح جملتك: الله يسهلّك يا حاج الله يسهلّك، يبتعد في هدوء وأنت تخاطب نفسك: ظاهرة سيئة أوي... كلهم نصابين أصلا، أعرفّك بنفسي .. أنا أحد هؤلاء النصابين!

إذا سألتني ؟ ذلك الرجل يعرف ما يفعله، هو لم يتردد دقيقة قبل أن يقفز، لا يحمل أي هوية ولا أحد يعرفه، وجهه مألوف ولكن المرة الأخيرة التي رأيت فيها هذا الوجه بدت كأنها منذ سنوات، من الصعب أن تدقق في ملامح وجه بعد أن كساه الشعر فما تبقى منه شيء لتراه الأعين، يرتدي أسمالا بالية ويحمل كيسا مرقعا يبدو إنه ممتلئ ببعض الأشياء، يرتدي حذاءا رياضيا جديدا وهو أمر عجيب نسبةً لتلك الملابس وتلك الهيئة، بشكل عام هو مشرد عديم الأهلية والأهمية يرتدي حذاءا مسروقا وأسمالا بالية، هو ولسوف ينتهي الأمر بجمجمته في خزانة بغرفة أحد طلبة الطب، أنت تعرف كيف يحصلون على هذه الأشياء، لو كان فكّر للحظة أن رأسه الذي استمر في حمله لكل هذه السنوات سينتهي به المطاف في خزانة تحت أطنان من الملازم والمراجع لما أقدم أو فكّر في الانتحار حتى.. على الأقل كان سيخبئ رأسه في مكان آمن قبل أن يفعلها، ولكن جوعه وحزنه لم يعطيانه الفرصة ليفكر في شيء كهذا، وماذا تريد من رأس لا يستطيع أن يبقيك حيا ليوم آخر؟

ألقيت نظرة أخيرة على الجثة ورحلت مبتعداً، كفى شؤما فما زال الأمر في بدايته، أخذت أطفو كروح عابرة في الطرقات أحاول أن أنشر السعادة التي لم أجدها يوما كما كنت أفعل دائما، في هذه الأيام السوداء يا ولدي عندما تبتسم في وجه أحدهم فإنه لا ينظر إليك حتى، كأنك لم تكن، في الماضي كانوا يبتسمون، يجفلون، يخافون، الآن هم لا يعيرونك أدنى اهتمام، كيف أعرف كل ذلك؟ المنتحر الذي نتحدث عنه هو ببساطة.. أنا.. سوف أحكي لكم المزيد.....
------

يتبع،
الجزء الثاني: 
http://www.histiryaa.com/2013/07/7.html
شاركوني بما ترون..

Share/Bookmark
rss