الاثنين، 8 يوليو، 2013

(9) - إنتحار - الجزء الرابع

بدأت أشعر بتحسن ما، لا أعلم أهو تحسن حقيقي أم أنني سئمت الإستسلام لذلك المرض الذي لا أعلم ماهو، لا أعلم حقا.. هل إنتهت المشكلة ﻷنني قد اعتدت عليها أم لأنها قد إنتهت بالفعل، زارني بعض الأصدقاء، كنت على درجة من الذكاء لأميز نظراتهم المشفقة، ماذا أصابني ليشفق الجميع عليّ بتلك الطريقة؟ لم يكن أمامي سوى التلفاز لأقضي وقتي أمامه، ذلك الجهاز الذي لم أتقبله يوما، كان كل ما يسلّي وقتي الآن، أو يضيعه بمعنى أصح، أشاهد بعض الأفلام، برامج السياسة، أحاول نسيان ما حدث كله، أحاول أن أبدا من جديد، او أن أتظاهر بذلك على الأقل.
لفهم القصة يجب قراءة الأجزاء السابقة ،الجزء الثالث من هنا

كان الطبيب لا يتركني تقريبا الا لقضاء حاجته، فقد ترك منزله ليبيت معي في ذلك المشفى، كان طوال الليل يتحدث بلغة ما لم أستطع أن أفهمها، لطالما تسائلت عن ذلك الرجل الذي لا يعمل إلا بالسياسة، من أين يكسب قوت يومه، ولماذا ليس في الميادين الآن مع بقية المناضلين من أمثاله؟ أشعر بدناءة شديدة لأنني أفكر بمثل هذه الطريقة!

كان اليوم يمر تقريبا في ساعتين، لا أعلم إن كنت أنام كل ذلك الوقت أو أنهم قد اختزلوا عدد ساعات اليوم إبان الثورة، بدأت افتقد الكلام، كان صديق أبي ذلك أخرسا تقريبا فلم يكن يكلمني أبدا، فقط ينظر إلى في شفقة ويتمتم بعبارات غير مفهومة في المساء، قررت أن أبدأ أنا بالكلام
- هو أنااااا .... هفضل هنا لحد... 
لم أستطع أن أكمل العبارة، كان شعورا غريبا، كنت كالمصابين بالتخلف العقلي تقريبا ولم أعلم السبب، نظر هو إلي وقال:- هتعمل عملية.. هيجيلك دكتور مخصوص من بره.
وقبل أن أحاول التكلم مرة أخرى وكأنه قرأ أفكاري:- متخفش في فلوس أبوك سايبهالك.. مش بتتقل علينا ولا حاجة.. وإنت زي إبني.
- عملية....إيه 
لم أكن قادرا على إستيعاب ذلك الذي يحدث .. لماذا لا أستطيع التكلم؟
- عملية في المخ.. متخافش مش حاجة كبيرة إن شاء الله.
ثم بدأت تلك التشنجات وفقدت الوعي.. مرة أخرى.
***
كنت على وشك الدخول إلى باب ما، كنت أمشي على قدماي وأحرك رقبتي بسهولة، لقد افتقدت الحركة للغاية! لم يكن الباب موصدا وكان سهل الحركة رغم ضخامته الشديدة، كان إرتفاعه أكثر من عشرة أمتار ولم اكن أرى لما فوقه نهاية، كان الموقف يبدو خياليا للغاية، وكانت هناك أضواء ساطعة في كل مكان، ولكنني كنت أرى بسهولة، فتحت الباب ودخلت فوجدت عدة أشخاص، أعلم أني رأيتهم قبل ذلك، موقن، ولكنني لا أستطيع التذكر، كان كمدخل شيئ ما، سينما ربما، ذلك هو التصور الأقرب، كانت هناك فتاة، بارعة الحسن، قالت بلغة لم أفهمهما ما يبدو أنه سؤال، رددت بنفس اللغة، لم أكن أعي ما أقوله، تشبه اللاتينية إلى حد كبير ولكنها تحتوي على حروف عربية، كالحاء والعين، ليست عبرية، لا أعلم ماهي تلك اللغة، أنهيت ردّي وإبتسمت رغما عني، نظرت لي في إشمئزاز وذهبت إلى باب ما فدخلت وأغلقت ورائها، نظرت حولي فلم أجد أحدا، لابد أنهم قد رحلوا بينما كنت منهمكا في النظر إلى تلك الجميلة محاولا فهم ما تقوله وما أرد به عليها، بعد خمسة دقائق سئمت الإنتظار فذهبت لذات الباب، حاولت ان أفتحه فكان موصدا، كانت هناك عبارة مكتوبة عليه ولكنني لما أستطع قرائتها، أنا اعرف تلك الحروف ولكنني لا أستطيع القراءة، كنت انتظر ذلك اليوم الذي لا أستطيع القراءة فيه، لأعرف أنني في حلم!

كنت مهووسا بتلك الأمور، كل ما أرغب به يوميا قبل أن أنام أن اكتشف أن الحلم هو حلم، قبل أن استيقظ، فأمرح قليلا، وضعت يدي بجيبي لأخرج مفتاحا للباب، ولكنني لم أجد أي مفاتيح، كنت أعتقد أن الأمر سهل، حاولت أن أجعل الباب ينفتح، لكنني لم أستطع، نظرت حولي مجددا، إتجهت للباب الذي دخلت منه فلم أستطع تحريكه، لم يكن موصدا ولكنني لم أستطع، هناك نافذة في ركن الغرفة، هل كانت موجودة منذ قليل؟ نظرت منها فوجدت غرفة اخرى مرتفعة للغاية، كانت مرتفعة ولكنني كنت أراها من الأعلى، لم يكن ذلك واقعيا، هناك صوت هدير ما لا مصدر له، الضوء في المكان ايضا لا مصدر له، لا مصابيح هنالك، دخل أبي وأمي إلى الغرفة، ثم دخلت معهما، الآن أنا واثق أنه حلم، كانا يوبخانني على شيء ما لم أستطع فهمه، وكنت أبكي، همّا بالذهاب وازداد بكائي ولكن لما يهتما لذلك أبدا، كنت أراقب بكائي من الأعلى أو من الأسفل فقد فقدت فهمي للإتجاهات منذ جئت إلى هنا، ثم إنفتح ذلك الباب الذي دخلت إليه الفتاة منذ قليل، وخرجا منه، أبي وأمي، اقتربا مني فاقتربت، احتضنتهما معا، قال أبي أنه سيساعدني، ولكن إذا ادمعت دمعة واحدة فسوف يتركانني للأبد، بدأت أتكلم بتلك اللغة الغريبة، لم يفهما ما أعنيه، سألني أبي: مالك؟ بتتكلم كده ليه؟ حاولت أن أجيبه ولكن لساني لم يطاوعني، كأن هناك من يتحكم به، سواي، غضب أبي ورحل، بقيت أمي لثوان أخرى تنظر لي، نظرة تحمل الكثير من المعاني، الحب، الشفقة، الغضب، العتاب، قالت بدون أن تنتظر جوابا: ربنا يسامحك يا ابني.

خرجت من الباب الذي دخلت انا منه، حاولت أن اصل للباب قبل أن يُغلق تماما فأخرج منه أيضا، ولكنني لم اكن سريعا كفاية، خرجت الفتاة الجميلة من غرفتها مرة أخرى، قالت شيئا ما لم أفهمه كالعادة، ثم دخلت، وبقى الباب مفتوحا، تبعتها فوجدت أن تلك كانت غرفتي، غرفتي القديمة في بيت والدي، ولكن كانت الغرفة واسعة للغاية، وكان كل شيئ مرتفع، السقف، السرير، المكتبة، المكتبة كانت أكثر ما ارتفع، لم أستطع أن أراها بوضوح حتى، ظلت الفتاة تمشي إلى أن وصلت للسرير، إنحنت ببساطة لتدخل تحته، تبعتها، ولكن عندما دخلت لم أجدها، كان الطبيب ذاته هنالك، والصيدلي الذي فحصني للمرة الأولى، والطبيب الذي يعمل بالمشفى، ووالديّ، والسكين الذي قُتلت به، حاولت الهرب ولكنني لم أعد قادرا على الحركة، كانوا جميعا وبلسان واحد يقولون انني السبب، وكانت أمي تبكي وتحاول أن توقفهم.
***
أنا الآن ممدد على مائدة رخامية عملاقة في معبد ما، قرأت عن ذلك المكان قبلا، قرأت عنه أكثر من مرة في الحقيقة، ولكنني لا اتذكر التفاصيل مرة أخرى، كان الجميع حولي وكنت مقيدا، كانت عيناي تؤلمانني وعاد الصداع، لم اكن أرى ما ورائي ولكنني كنت أعرف أن هناك من يعبث في دماغي، كان هناك أشخاص بلا ملامح وآخرين لا أعرفهم بالإضافة لمن كانوا متواجدين بالمشهد السابق، كان الأمر مرعبا، كانت أمي تصلي وتدعو الله أن يساعدني، لم أكن قادرا على فهم أي شيء، وكان الألم في عيناي كفيلا بجعلي لا أفكر إلا به، كنت أتحدث فلا أفهم ما أقوله وكانوا يردون فلا أفهم ما يردون به، وعندما إنتهوا كان الجميع سعداء، شعرت أن صحتي قد تحسنت، ولكن والديّ، لم يستطيعا إخفاء حزنهما، وفجأة دخل بضعة رجال، يرتدون ملابس غريبة، أخذوني إلى مكان ما، كان به الكثير من الناس، كلهم يشبهونني بصورة بالغة، كنت اعتقد أنني بارع في تفسير الأحلام، ولكن ماهذا الذي يحدث؟
***
في كل مرة أفقد وعيي فيها أحلم أحلام عديدة ولكن لا أتذكرها، ثم أستفيق على ألم في كافة عضلاتي، تكون الرؤية مشوشة، عيناي تؤلمانني، وكأنني كنت ألعب المصارعة أو أتشاجر في ميكروباص ما، نظرت حولي فلم أر شيئا، كان الظلام حالكا، ولكنني كنت أعلم أن هناك شيء خاطيء، هذا الظلام مختلف، حاولت أن أقنع نفسي أنها محض خيالات، سوف أنام مرة أخرى وأستيقظ لأجد نفسي في غرفتي، أشعر أن المكان واسع، رطب، ليست نفس الرائحة المعقمة بالمستشفى، سمعت صوت خطوات ما، هناك من يتسلل ويحاول جاهدا ألا يسمع أحدٌ صوته، تظاهرت بالنوم ولكن أذناي كانتا متيقظتين، أشعر أن حاسة سمعي أصبحت أقوى بكثير، مهلا لحظة! هل أصبت بالعمى؟

الجزء الخامس من هنا

Share/Bookmark
rss