الأحد، 7 يوليو، 2013

(7) - إنتحار - الجزء الثاني

المشكلة أنني عندما كنت صغيرا لم أكن أتوقع أن كل هذا سيحدث!
عندما تسأل طفلا عما يريد أن يكونه ستجد الكثير من الاحلام الرائعة، حول الطب والهندسة، السفر للفضاء والقبض على الأشرار، لن تجد طفلا يحلم أن يكون موظفا في إحدى المصالح الحكومية أو ساعيا باليومية ينتظر يوم يصبح عاجزا فيجوع الأطفال ويتشردون، وبالتأكيد لن تجد طفلا يحلم بأن يكون مشردا فاقدا للذاكرة لايدري من هو ولا يستطيع التواصل مع ابناء جنسه من البشر!

لفهم القصة يجب قراءة الأجزاء السابقة ،الجزء الأول من هنا
كنت أدعى يوسف سابقا وما حدث هو أن إسمي لم يعد ذو قيمة فلا أحد على الإطلاق يتحدث معي، كان لي آبوين بالتأكيد، كان أبي مهندسا، وكان مناضلا آخر، رجل سياسة، وكانت أمي لا تعمل، وكنت أنا ذكيا، موهوبا، مصدر فخر حقيقي لهما، أحصل دائما على المركز الأول بدرجات نهائية، لا أضيع وقتي امام التلفاز أو الفيسبوك، مهووس بالشطرنج، قارئ ممتاز منذ نعومة أظفاري، أحلم بنوبل، مصدر فخر حقيقي كما كنت أقول، لم يكن لي أي أخوة وكذلك والداي، وكأن الأمر موروث إذا تجاهلنا أن هذا غير ممكن، ولكن كالعادة أتت الرياح بما لا تشتهيه السفن، فولدت قصة أحكيها لكم.

 كان ذلك العام الحادي عشر بالألفية الثالثة، وكان اليوم الأخير بإمتحانات نصف العام وكنت بالصف الثاني الإعدادي، كان هناك تفجير لأحد الكنائس منذ اسبوع وكان هناك إحتجاجات ما قريبة، لم أهتم بأن أعرف ما هي فما كانت السياسة وتلك الأمور تستهويني، ولكن وجود مثل تلك الإحتجاجات هو الكابوس الحقيقي لبيتنا، إذا زاد الأمر عن حد ما سيأتي زوار الفجر ليأخذوا أبي، ربما لبضعة شهور قبل أن يتذكروا إعادته، عادة اقضي ذلك اليوم الأخير مع أصدقائي نتسكع، انا لست شديد الشغف بتلك الأمور ولكني أقوم بها على سبيل الإلتزام بعادات المجتمع والإندماج به، وفي ذاك اليوم بالذات آثرت أن أذهب لمنزلي فأقضي بعض الوقت مع أبي، ربما يكون يومه الأخير ولا أراه لثلاثة شهور أخرى، كان متوعكا بعض الشيء وقد كان عند توعكه يستمر بقول ' آه يابا ' كل دقيقة تقريبا، تفاقم الأمر مساءا فأصبح يعاني من صداع وألم في عضلاته بشكل عام، " حاسس إنه متكسر "، اتصلت أمي بطبيب صديق، مناضل آخر، آتى مسرعا ليفحص أبي، لا أعلم لمَ قد يختار أحد وهو في كامل قواه العقلية تلك الحياة، لديك وظيفة رائعة وأسرة ومنزل وسيارة فلمَ تحتاج للسياسة ولمَ ترغب في أن تُسجن كل عشرة دقائق تقريبا؟

 دخل د.محمد، حييته ودعوته قلقا لأن يتفضل لغرفة النوم حيث أبي،وقبل أن أغلق الباب ..سمعت خطواتهم، كنت أعرف أن اليوم حالك السواد، هل سيعتبرونه إجتماعا لقلب نظام الحكم؟ هل سيُتهم أبي المريض وصديقه بتفجير بداعي نشر الفتنة؟ اغلقت الباب بالمفتاح وكنت أعلم أن هذا لن يجدي، دخلت إلى غرفة النوم لأحذرهم، ترقرقت عينا أمي كأنها ترغب بالبكاء، كنت أعلم أنها تدخره لخمسة دقائق أخرى فهي لا تريد أن تزيد الوداع سوءا، أحتضنت أبي بقوة، لا أعرف لمَ كنت أشعر أنه لن يعود، بكيت رغما عني فربت على كتفي قائلا: " إيه يا يوسف إحنا مش إتفقنا مفيش رجالة تعيط؟ إن شاء الله مفيش حاجة وهبات معاكوا بكرة"، دائما يقول ذلك، ودائما كان يكذب، صوت طرقات عنيفة على الباب، ذهب صديق أبي ليفتح وذهب أبي لإرتداء ملابسه، وإعداد الحقيبة!، لما قد يأخذ حقيبة إذا كان " جاي بكرة "؟

***
- إنت هنا يا عم؟ دورنا عليك ف بيتك فتشناه حتة حتة؟ يا ترة متجمعين ليه ما إنتوا متتجمعوش الا في المصايب!
- أصله تعبان شوية كنت جاي اشوف ماله.. خير يا بيه 
- لا خير إن شاء الله.. هتشرفونا كام يوم عشان في كام حاجة كده مش عاجبة سعادة الباشا 
- سعادة الباشا آه..
- ماله المحروس؟
- عنده دور برد بس انا شاكك فـ..
- مش عاوز اتنيل أعرف.. هو فين؟ خش يا عـ.. 
- مفيش داعي يا بيه هو طالع دلوقتي.. بيلبس.. 
- اه من حيث بيلبس هو بيلبس..
أهلااا.. يلا يا محروس إنت وهو.. كلبشهم يا عسكري.
***

وذهبوا، وبقيت وأمي وحيدين، حادثت هي زوجة الطبيب في الهاتف لتخبرها، سألتها إذا كانت تريد شيئا وأعتقد أنها ردت بذات السؤال، أغلقت الخط، وأخذت تبكي، وأخذت أبكي أنا ايضا! كانت أمي فاقدة للأمل تماما، وكان الأمل على بعد ثلاث عشرة يوما فقط, بعد ثلاث عشرة يوم قامت الثورة!
عرفت أنها ثورة في اليوم الثاني، طلبت من أمي النزول فلم تسمح لي، التمست لها العذر فما كانت لتحتمل الحياة بدوني وبدون أبي في آن واحد، مر الأمر سريعا كما تعلمون، فُتحت السجون أو أُقتحمت وخرج من بها وكنا ننتظر عودة أبي، ولكنه لم يعد أبدا، كانت أمي تبكي بإستمرار وعندما أسألها عن السبب كانت تقول في جزع: أبوك وحشني.
لم تخبرني بالحقيقة فقد كان يتأخر قبل ذلك لأشهر وكانت تصبر على فراقه، فما استجد؟ ولماذا لم يعد رغم أن السجون قد فتحت؟ لم تسمح لي أيضا أن أنزل إلى اللجان الشعبية، زاد تشبثها بي إلى حد كبير، كنت أعلم أن خطبا ما قد حدث، بدأت أبكي أيضا وكانت تحاول إلهامي الصبر، بدون التفوه بحرف! كان وجهها متورما وكانت متوعكة أيضا وكانت ترفض الذهاب لطبيب وتستمر في البكاء، في اليوم الثامن عشر تنحى الرئيس عن الحكم، نُقل الحكم للمجلس العسكري، ونُقلت أمي للمستشفى، كانت مصابة بالعدة النكفية وكانت حالتها متأخرة، كنت أفرط في البكاء وفي الدعاء ليومين كاملين، كانت عندما تفيق تنظر لي وتنحدر دموعها على وجهها المتورم، وكان يزيد عنائي وبكائي عندما أراها في هذه الحالة، أخبرتها مئات المرات أن تذهب للطبيب فلمَ لم تستمع لي؟ لمَ!
***
- أصبر أرجوك
  يا ناس يالي هنا.. عندنا واحد بيموت.. يا عالم..
***
- البقاء لله..
- ...
- قبل ما نطلع بساعة.. حاولت اعمل كل الي قدرت عليه.. بس دي إرادة ربنا
***
ماتت أمي! هكذا وببساطة! تركتني وحيدا، لا أدري أين ذهب أبي وكان الجميع يرفض الحديث في هذا الأمر، ظهر ذلك الطبيب الذي كان على وشك أن يفحصه يوم قبضوا عليهما، تكفل بكل شيء وأخبرني أنني سأنتقل للعيش معهم، هل مات أبي بالغدة النكفية أيضا عندما كان بالسجن؟ أليس هناك آدمية لدرجة تكفل لهؤلاء المعتقلين ولو طبيبا واحد! هل كانوا يخشونهم لدرجة لا تسمح بدخول طبيب؟ كلما فكرت في تلك الأمور أجهش بالبكاء، بكاء مؤلم، ليس له صوت، وليست له دموع، بكاء حقيقي، بلا مظاهر.

Share/Bookmark
rss